لم يكن يدري أين هو، ولا كان يعلم شيئا عن ما يحدث له من أشياء لم يفهم منها شيئا، اللهم ذلك السيل من الشتائم التي كانت تنهال عليه بين الفينة والأخرى منذ أن اقتحم مجموعة من الرجال بيتهم الصفيحي ، فكبّلوا يديه و وضعوا عصابة على عينيه وهم يقذفونه بشتى أنواع الألفاظ التي يستحي قاموس اللغة أن يخصص لها مكانا :
- وقف يا ولد الق…آش كتصحاب راسك ؟ عمر بن الخطاب ! قول يا ولد الزنا…
سمع صوت والدته وهي تصرخ مستعطفة أحيانا وشاتمة أحيانا أخرى، لكنه لم يستطع أن يبصرها كي يلاحظ وقع تلك الألفاظ القبيحة التي نعتوها بها وهي منها براء، فقط الظلام هو الشيء الوحيد الذي كان يراه آنداك، وبعض الركلات والصفعات التي كان يتلقاها كلما توقف محاولا الاستفسار عما يحدث له …سمع أصوات بعض النسوة من جاراتهم وهي ترتفع مصحوبة بأصوات لطم الوجوه والأفخاذ، ولم يستطع أن يميّز من بين هذه الأصوات سوى صوت عجوز وهي تصرخ :
- الله يا ربي الله على اولاد سيدي مومن مشاو كاملين، يصبرك الله يا السي سيدي مومن.
وقعت هذه العبارة على مسمعه كالماء البارد…اختلطت الأصوات في أذنيه…وأحس بيد خشنة تدفعه بقوة داخل سيارة الشرطة المتوقفة أمام طرف الزقاق الصفيحي الضيق، وما إن دلف داخلها حتى شعر بقواه تخور تدريجا تم شعر بالإغماء وبدت له صورة والده سيدي مومن وكأنه يركض نحوه قادما من بعيد وهو يصرخ …لا ! إلاّ هو…إنه الأمل الوحيد الذي تبقى عندي…لكنه سرعان ما استفاق من غيبوبته على وقع صفعة تلقاها على خذه الأيسر فاستفاق فاتحا عينيه ورأى نفسه شبه عار إلاّ من تبّان بال أكل التصبين معظم أجزائه، طاف بعينيه على أركان غرفة جدرانها سوداء وسقفها أسود، وتوقفت عيناه شاخصة على الجسد الضخم الواقف بجانبه…كان الرجل يرتدي سروال جينز ملتصق على فخذيه الضخمتين، وقميصا بدون أكمام ويضع نظارات سوداء تشبه لون الغرفة المظلمة أصلا، انحنى الرجل نحو أحمد وأمسك خناقه بقبضته الحديدية حتى أحسّ بروحه تكاد تنفلت من بين هذه الأصابع الخشنة…تم رفعه للأعلى حتى صارت عيناهما على خط أفقي واحد…وصرخ في وجهه محذرا :
- غير غادي تعتارف لي بكلشي، أو لا غادي ننتف لمّك الزغب ديال …
همّ أن يتكلم…غير أنه شعر بثقل في لسانه وعاوده الدوار من جديد، كل شيء من حوله كان يوحي له بقرب نهايته التي طالما انتظرها دون أن تأتي…وما كاد يتلقى أول ركلة على مستوى جهازه التناسلي حتى غاب عن الوعي من جديد…وتبدت له صورة والدته وهي تحمل صينية الشاي وتدخل عليه الغرفة الوحيدة في هذا الكوخ الذي يقتسمون صفائحه مع بعض الجرذان…وتطلب منه أن يضع كتبه ويحتسي معها كوبا من الشاي يرد به أنفاسه…وتردد في أذنيه صوت دعواتها وهي تناجي ربها بعد الصلاة رافعة أكف الضراعة نحو السماء: يا الله هاك يدي…يارب لا تردّها خائبة فلطالما ناجتك…وهذا ولدي الوحيد الذي بقي معي بعدما سرق مني الفقر إخوته…يا ألله بيدي جمعت أشلائهم دون أن يكون لي الحق في دفنها في التراب…
استيقظ من جديد على وجه الشرطي الواقف أمامه وقد تغيرت لهجته وخلت لغته من تلك المفردات القبيحة التي لم تغادر شفتيه، وصار يستخدم لغة ومفردات رقيقة لم يألفها أحمد بل ولا ناسبت هذا الوجه الممتلئ، ذا العينان الجاحظتان والأنف الغليظ وخاطبه قائلا :
- يا أخي أنا طيب جدا…طيب أكثر مما يجب…وأنت شاب رقيق ومهذب و…مثقف، نعم مثقف وستفهمني إذا قلت لك أنّ ما نقوم به هو في صالح الوطن، والوطن كما تعلم هو أنت…وأنا…وأمك…وكل من تحب…ولهذا فعليك أن تساعدنا وتخبرني عن الجهات التي زوّدت أشقائك ومن معهم بتلك المتفجرات.
ردّ أحمد متمتما :
- أنت سوف لن تفهمني…أقسم لك أنني أنا أيضا ضد القتل ونشر الرعب باسم الدين…ولكن ما ذنبي أنا في كل ما حذت ويحدث ؟
- ذنبك أنّك أيضا تحمل اللقب نفسه، سيدي مومن…هذا الذي لم يخلّف سوى شرذمة من القتلة وسفاكي الدماء.
- صدقني إذا قلت لك أنّ الذنب ليس ذنب أبي، فهو ككل الآباء كان يتوق ليرى أبناءه رجالا يشمرون على سواعدهم لخدمة الوطن وخدمته، لقد كان يكدّ ليراهم رجالا لا قنابل تنفجر هنا وهناك ميتة وناشرة حمى الموت على من حولها، يبكي منتحبا تمّ يتابع: …سل دموعه التي يذرفها كلما بلغه خبر انفجار فلذة من فلذات كبده في هذه المقهى أو داخل ذلك الفندق قاتلا معه الأبرياء من أبناء هذا الوطن العزيز الغالي…فارحموا شيخا هالته فواجع الفقراء داس الخراب لوحده زمنا دون أن يربّت أحد على كتفيه…واسألوه كم مرّة حمل الخواء في صرته كي يحمله لأبنائه الجياع…هو الذي حمل الأسفار مثل حمار ألف عام…فلا تلوموه إذا لم يستطع أن ينشئ جيلا قادرا على تقفي خطاه…فلا أحد منا يتمنى وهو يمتطي زوجته أن ينجب القنابل…
وفي الحي الصفيحي كان مجموعة من الرجال يقفون أمام كوخ صغير يتجاذبون أطر



























